يكثف مصرف سوريا المركزي تحركاته في عدد من الدول الأوروبية، عبر لقاءات مع مؤسسات مالية ومصرفية في باريس، ومشاركة مرتقبة في مؤتمر اقتصادي بمدينة فرانكفورت الألمانية، في إطار مساعٍ لإعادة ربط القطاع المصرفي السوري بالنظام المالي العالمي، وتسهيل التحويلات وتمويل التجارة الخارجية.
وتأتي هذه التحركات ضمن جهود دمشق لاستعادة علاقاتها المصرفية الدولية، وتعزيز ثقة المؤسسات المالية الأجنبية بالقطاع المصرفي السوري، بعد سنوات من القيود التي حدّت من قدرته على التعامل مع الأسواق الخارجية.
لقاءات مصرفية في باريس
أجرى حاكم مصرف سوريا المركزي، محمد صفوت رسلان، سلسلة لقاءات في العاصمة الفرنسية باريس، بحث خلالها مع ممثلين عن مصارف ومؤسسات مالية أوروبية ودولية سبل استئناف التعاون المصرفي وتوسيع شبكة البنوك المراسلة.
ووفقاً لما أعلنه المصرف المركزي في 31 تشرين الأول، استضاف مصرف “Bank Al Khaliji France” اجتماعاً بمشاركة ممثلين عن بنك أبوظبي الأول “FAB”، وبنك فرنسا “Banque de France”، ومصرف “Fransabank”.
وركزت المباحثات على تسهيل تمويل التجارة الخارجية، وتطوير قنوات التحويلات والمدفوعات الدولية، بما يسهم في تخفيف العقبات أمام التعاملات المالية السورية.
كما شملت الزيارة لقاءات مع مجلس الأعمال الفرنسي السوري “CAFSY”، ووحدة التحريات المالية الفرنسية “Tracfin”، وبنك “Natixis”، تناولت فرص التعاون الاقتصادي وتعزيز الامتثال للمعايير المالية الدولية.
عودة إلى اجتماعات مجموعة العمل المالي
وفي سياق متصل، شاركت سوريا في الاجتماع العام لمجموعة العمل المالي الدولية “FATF” في باريس، بعد غياب استمر أكثر من 15 عاماً، في خطوة تعكس مساعيها لاستعادة حضورها في المؤسسات المعنية بالرقابة المالية الدولية.
وناقش الاجتماع، الذي ضم ممثلين عن أكثر من 200 ولاية قضائية ومنظمة دولية، قضايا مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، إلى جانب التحديات المرتبطة بالتدفقات المالية غير المشروعة.
وخلال مشاركته، أكد رسلان التزام سوريا بتطوير منظومتها المالية والتشريعية، وتعزيز الشفافية والامتثال للمعايير الدولية، بهدف استعادة الثقة بالقطاع المصرفي وتوسيع علاقاته الخارجية.
مؤتمر مصرفي مرتقب في فرانكفورت
وبالتوازي مع تحركات باريس، تستعد مدينة فرانكفورت الألمانية لاستضافة مؤتمر “استثمر في سوريا” (Invest in Syria)، في العاشر من تشرين الثاني الجاري، بتنظيم من كلية فرانكفورت للتمويل والإدارة.
ومن المقرر أن يشارك في المؤتمر حاكم المصرف المركزي السوري، إلى جانب ممثلين عن مؤسسات مالية ومصرفية سورية وألمانية وأوروبية، لبحث فرص التعاون وإعادة بناء القطاع المالي السوري.
وبحسب البرنامج المعلن، تتناول جلسات المؤتمر استعادة الثقة بالقطاع المصرفي، وتطوير أنظمة المدفوعات، وتوفير قنوات تمويل للمشاريع الاستثمارية وإعادة الإعمار.
كما تشمل المناقشات دور القطاع الخاص والمؤسسات المالية الدولية في دعم التعافي الاقتصادي، والآليات اللازمة لتوسيع العلاقات المصرفية بين سوريا والأسواق الأوروبية.
مؤسسات مالية أوروبية في المناقشات
وتضم قائمة المتحدثين المعلنة ممثلين عن بنك التنمية الألماني “KfW”، وبنك الاستثمار الأوروبي “EIB”، ومؤسسة التمويل التنموي الألمانية “DEG”، ومصرف “ODDO-BHF”، إلى جانب مؤسسات اقتصادية ومالية أخرى.
ومن المتوقع أن تركز المناقشات على فرص التعاون المصرفي، وتطوير البنية المالية السورية، وتهيئة الظروف اللازمة لجذب الاستثمارات الأجنبية.
غير أن المشاركة في المؤتمر لا تعني بالضرورة التوصل إلى اتفاقيات تمويل أو استثمار، إذ لا تزال النتائج العملية مرتبطة بما قد تسفر عنه المباحثات بين الجهات المعنية.
تعاون سابق مع مؤسسات ألمانية
وتأتي التحضيرات للمؤتمر امتداداً لاتصالات سابقة بين المصرف المركزي السوري وكلية فرانكفورت للتمويل والإدارة، التي أعلنت في نيسان الماضي إجراء مباحثات بشأن تطوير التعاون المؤسسي.
وتناولت تلك المباحثات إمكانية إنشاء أكاديمية للتدريب المصرفي، وتعزيز التمويل السكني، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، فضلاً عن تطوير الخبرات في مجالات الرقابة والإدارة المالية.
كما بحث الجانبان سبل تحديث البنية المؤسسية للقطاع المصرفي السوري، بما يساعد على رفع كفاءته وتحسين قدرته على التعامل مع المؤسسات المالية الخارجية.
تحديات إعادة الربط المصرفي
ورغم اتساع الاتصالات الأوروبية، لا تزال عودة المصارف السورية إلى التعامل المباشر مع المؤسسات المالية الدولية مرتبطة بجملة من المتطلبات الفنية والتنظيمية.
وتشمل هذه المتطلبات تعزيز إجراءات الامتثال، وتطوير أنظمة المدفوعات، وتوسيع شبكة البنوك المراسلة، إلى جانب استعادة ثقة المصارف الأجنبية بقدرة المؤسسات السورية على تنفيذ التعاملات وفق المعايير الدولية.
ومن شأن تحقيق تقدم في هذه الملفات أن يسهم في تسهيل التحويلات وتمويل الواردات والصادرات، فضلاً عن تحسين الظروف أمام الاستثمارات الأجنبية.
لكن اللقاءات المعلنة حتى الآن لا تؤكد استئناف العلاقات المصرفية بصورة كاملة، في ظل الحاجة إلى اتفاقيات تشغيلية وإجراءات عملية تتيح تنفيذ التعاملات المالية.
وبين لقاءات باريس ومؤتمر فرانكفورت المرتقب، تبرز تساؤلات بشأن قدرة هذه التحركات على تحقيق نتائج ملموسة، تتجاوز التفاهمات الأولية إلى استعادة العلاقات المصرفية المباشرة.
فهل تنجح تحركات المصرف المركزي في إعادة فتح القنوات المالية الأوروبية أمام سوريا، أم أن عودة المصارف السورية إلى النظام المالي العالمي ستظل رهناً باستكمال متطلبات الامتثال وبناء الثقة؟