بين الأمل والانتظار… المفقودون في الرقة جرح إنساني مفتوح

حجم الخط

لا تزال قضية المفقودين في مدينة الرقة واحدة من أكثر الملفات الإنسانية تعقيدًا وإيلامًا، حيث تعيش مئات العائلات حالة انتظار طويلة بحثًا عن أي معلومة تكشف مصير أحبائها الغائبين. وبين أنقاض الحرب وتبدل القوى التي سيطرت على المدينة خلال سنوات النزاع، اختفت آثار كثيرين، فيما بقيت صورهم حاضرة في البيوت والذاكرة الجماعية للسكان.

علي الظاهر، متقاعد في الستين من عمره ومن أبناء الرقة، يروي قصة فقدان شقيقته عام 2017 خلال ذروة العمليات العسكرية التي شهدتها المدينة، يقول: “شقيقتي مفقودة منذ عام 2017.. فقدت في منطقة مزرعة ميسلون نتيجة القصف الذي استهدف المكان”.

ويستعيد تفاصيل إصابتها ونقلها إلى المشفى الوطني في الرقة، موضحًا: “أصيبت شقيقتي وزوجها جراء القصف، وتم إسعافهما إلى مدينة الرقة. بقي زوجها في حالة موت سريري قرابة شهرين، في فترة تزامنت مع دخول قوات التحالف والقوات الرديفة إلى المنطقة”.

كانت شقيقته أمًا لسبعة أبناء، أربع بنات وثلاثة ذكور. وبعد وفاة الزوج لاحقًا، تفرق الأبناء بين النزوح والعمل خارج البلاد. ومع تصاعد المعارك خلال شهر رمضان من العام نفسه، انقطع التواصل معها بشكل مفاجئ. ويضيف الظاهر: “آخر تواصل كان في الخامس عشر من شهر رمضان تقريبًا، ومنذ ذلك الحين انقطعت أخبارها تمامًا”.

بعد عودة العائلة إلى الرقة، بدأت رحلة البحث عن أي دليل يقود إلى مصيرها. وتشير معلومات حصلت عليها الأسرة إلى احتمال وجودها في منزل يقع شمال دوار البتاني، حيث عثر على آثار يعتقد أنها تعود لتلك الفترة.

يقول الظاهر: “أخبرنا بعض الأشخاص أنهم عثروا على شخص متوفى داخل المنزل وتم دفنه. وجدنا أوراقًا طبية وبقايا أدوية وسيرومات، لكن لم نعثر على دليل قاطع يحدد مصير شقيقتي”.

ومنذ ذلك الوقت، لم تتوقف العائلة عن متابعة القضية، بحسب قوله: “طرقنا جميع الجهات الممكنة، لكننا لم نحصل حتى الآن على نتيجة واضحة”.

سجلت حالتها لدى اللجنة الدولية لشؤون المفقودين عبر فرق توثيق محلية بهدف حفظ البيانات وإدراجها ضمن سجلات المفقودين، إلا أن الغموض ما يزال قائمًا. ورغم مرور السنوات، يتمسك الظاهر بالأمل قائلاً: “ما دمنا لم نعثر على رفاتها أو على إثبات رسمي لوفاتها، فالأمل ما زال قائمًا، ولن نتوقف عن البحث”.

وتعد قصة الظاهر واحدة من مئات الحالات المشابهة في الرقة، إذ تشير تقديرات ناشطين محليين إلى أن عدد المفقودين يتراوح بين 1500 و2000 شخص، في ظل تعاقب جهات متعددة على السيطرة على المدينة خلال سنوات النزاع.

ومن هذا الألم المشترك، شارك الظاهر مع مجموعة من ذوي المفقودين في تأسيس “رابطة ذوي المفقودين” عام 2020. ويوضح: “نحن مجموعة من الناشطين المدنيين من خلفيات مهنية مختلفة، وجميعنا من ذوي المفقودين. هدفنا البحث عن مصير المفقودين والمغيبين قسرًا والدفاع عن حق عائلاتهم في معرفة الحقيقة”.

وثقت الرابطة حتى الآن 127 حالة بشكل مفصل، تتضمن البيانات الشخصية لكل مفقود ضمن استمارات خاصة، إلا أن جهودها للحصول على ترخيص رسمي واجهت صعوبات إدارية حالت دون استكمال الإجراءات القانونية.

وإلى جانب أعمال التوثيق، نظمت الرابطة تدريبات ومعارض صور بهدف إبقاء القضية حاضرة في الوعي العام، كما تعمل حاليًا على إطلاق مبادرة للدعم النفسي وتقديم استشارات قانونية لعائلات المفقودين، نظرًا لما يخلفه الغياب من تبعات اجتماعية وقانونية معقدة، خاصة في مسائل الإرث وإثبات الوفاة والوضع القانوني للزوجات.

ويشدد الظاهر على أهمية اعتماد وسائل علمية للتعرف على الرفات المنتشلة من المقابر الجماعية، قائلاً: “نطالب بتوفير أجهزة لفحص الحمض النووي، حتى تتمكن العائلات من التعرف على رفات أبنائها إن وجدت، فالكثير من الأسر تعيش حالة انتظار قانوني وإنساني صعبة بسبب غياب الدليل الحاسم”.

وبين الأمل والانتظار، تستمر معاناة عائلات المفقودين في الرقة. ورغم مرور سنوات على فقدان أحبائهم، يختصر الظاهر مشاعرهم بقوله: “الأمل لا ينقطع… ما لم تثبت الوفاة رسميًا، سنبقى نبحث وننتظر”.

وتبقى قضية المفقودين في الرقة ملفًا إنسانيًا مفتوحًا، يتجاوز حدود الأرقام والإحصاءات، ليعكس معاناة مدينة ما تزال تبحث عن أبنائها الغائبين.