“الفروج صار حلماً”… موجة غلاء تقصي البروتين الأرخص عن موائد القامشلي

حجم الخط

لم يعد الفروج، الذي ظل سنوات طويلة الملاذ الأخير للعائلات غير القادرة على شراء اللحوم الحمراء، وجبة متاحة بسهولة في مدينة القامشلي.

فبعد ارتفاع سعر الكيلوغرام إلى نحو 400 ليرة سورية بالعملة الجديدة، بات شراء دجاجة واحدة يحتاج إلى ما يقارب ألف ليرة، في بلد لا تزال فيه الأجور والمداخيل عاجزة عن اللحاق بالقفزات المتسارعة في أسعار الغذاء.

قبل نحو أسبوعين فقط، كان كيلوغرام الفروج يباع في القامشلي بنحو 230 ليرة جديدة. أما اليوم، فقد اقترب من 400 ليرة، مسجلاً زيادة تقارب 74% خلال فترة قصيرة، وفق الأسعار التي أفاد بها سكان وأصحاب مداجن في المنطقة.

ويتقاطع السعر المحلي مع موجة ارتفاع أوسع تشهدها الأسواق السورية؛ إذ وصل كيلوغرام الفروج في بعض المناطق إلى 420 ليرة جديدة، قبل أن يتراجع في أسواق أخرى إلى نحو 360 ليرة، بينما سجل في الرقة قرابة 400 ليرة.

دجاجة بألف ليرة

حسين أبو علي، البالغ من العمر 35 عاماً ومن سكان مدينة القامشلي، يقول لموقع سوريا 24 إن الفروج أصبح “فوق قدرة كثير من الناس”، بعدما وصل سعر الكيلوغرام إلى نحو 400 ليرة جديدة.

وبما أن وزن الدجاجة المعروضة في الأسواق لا يقل غالباً عن كيلوغرامين ونصف الكيلوغرام، فإن ثمن الدجاجة الواحدة يتجاوز ألف ليرة جديدة، قبل تنظيفها وإزالة الريش والأجزاء غير المستخدمة.

ويضيف أبو علي أن هذا المبلغ كبير بالنسبة إلى موظف أو عامل يعتمد على دخل يومي محدود، خصوصاً أن ثمن الدجاجة لا يمثل سوى جزء من تكلفة الوجبة؛ فالعائلة تحتاج أيضاً إلى الخضار والأرز أو البرغل والزيت ومستلزمات الطهي الأخرى.

ويقول: “ليس بمقدوري أن أدفع ألف ليرة مقابل دجاجة واحدة، ولا سيما أنها تُوزن مع ريشها، وقد لا تكفي غداءً لعائلة كاملة”.

وبالنسبة إلى العائلات الكبيرة، لا تكفي دجاجة واحدة في العادة. وقد تحتاج الأسرة إلى دجاجتين أو أكثر، ما يعني دفع نحو ألفي ليرة جديدة مقابل الفروج وحده، بينما قد تصل كلفة وجبة الغداء كاملة إلى نحو أربعة آلاف ليرة بعد إضافة الخضار والأرز أو البرغل والزيت.

ارتفاع بنحو 74% خلال أسبوعين

يشير أبو علي إلى أن سعر كيلوغرام الفروج كان يبلغ قبل نحو 15 يوماً قرابة 230 ليرة جديدة، وهو سعر كان يسمح لبعض الأسر بشرائه، ولو على فترات متباعدة.

لكن ارتفاع سعره إلى نحو 400 ليرة يعني زيادة بنحو 170 ليرة للكيلوغرام، أي ما يقارب ثلاثة أرباع السعر السابق خلال أسبوعين فقط.

ويقول لموقع سوريا 24 إن الارتفاع لا يحدث بصورة تدريجية، بل يتغير من يوم إلى آخر، فيما تبقى الرواتب والأجور ثابتة، ما يدفع العائلات إلى تقليص استهلاك اللحوم والدجاج أو الاستغناء عنهما كلياً.

وتدعم المؤشرات السوقية هذا التوصيف؛ فقد تجاوز سعر كيلو الفروج في سوريا 300 ليرة جديدة في شباط/فبراير، بعدما كان متوسطه يعادل نحو 220 ليرة قبل شهر، وسط تراجع واضح في حركة الشراء.

وفي نيسان/أبريل، حُدد سعر استرشادي عند نحو 240 ليرة جديدة للكيلوغرام، يضاف إليه هامش للمربي، قبل أن تقفز الأسعار لاحقاً إلى حدود 400 ليرة وأكثر في عدد من الأسواق، ما يظهر اتساع الفجوة بين التسعيرات السابقة والكلفة الفعلية الحالية.

البديل الأرخص يلحق باللحوم

على مدى سنوات، اعتمدت العائلات محدودة الدخل على الفروج بوصفه المصدر الحيواني الأقل كلفة، بعدما خرج لحم الغنم والعجل تدريجياً من حساباتها اليومية.

لكن حسين أبو علي يقول إن “الفروج، الذي كان أرخص من اللحمة وتعتمد عليه عائلات كثيرة، لم يعد اليوم متوافراً لكل بيت”.

ولا تقتصر الأزمة على ارتفاع السعر، بل تشمل أيضاً تراجع الكميات المعروضة في أسواق محافظة الحسكة.

فقد أشار تجار إلى أن نقص الإنتاج المحلي دفعهم إلى جلب الفروج من حمص وحماة ومنبج، بكلفة تصل إلى نحو 2200 دولار للطن، تضاف إليها قرابة 100 دولار للنقل والأجور.

وبحسب أحد التجار، أدى الغلاء إلى تراجع القدرة الشرائية بنحو 80%، وانخفاض مبيعات بعض المحال من قرابة 40 قفصاً يومياً إلى قفصين فقط، في مؤشر إلى أن ارتفاع السعر لا يعني بالضرورة تحقيق أرباح أكبر، بل قد يقود إلى جمود السوق وانحسار الطلب.

أحجام كبيرة وشكوك في الجودة

يتحدث سكان في القامشلي أيضاً عن صعوبة العثور على دجاجات صغيرة، إذ يتجاوز وزن كثير من الدجاج المعروض كيلوغرامين ونصف الكيلوغرام، ما يرفع السعر الإجمالي الذي يدفعه المستهلك حتى لو بقي سعر الكيلو ثابتاً.

كما يثير بعض المستهلكين شكوكاً بشأن استخدام مواد أو حقن لتسريع نمو الدجاج وزيادة وزنه، معتبرين أن بعض الفروج الكبير يفتقر إلى الطعم والجودة المعتادين.

غير أنه لا تتوافر نتائج رقابية أو مخبرية منشورة تثبت هذه الاتهامات، ولذلك تبقى في إطار شكاوى المستهلكين، ولا يجوز تقديمها بوصفها حقيقة مؤكدة من دون فحوص رسمية.

المداجن تحت ضغط الأعلاف والطاقة

في ريف القامشلي الغربي، لا ينكر أبو دجوار، وهو صاحب مدجنة، خلال حديثه لموقع سوريا 24 أن السعر النهائي أصبح ثقيلاً على المستهلك. لكنه يقول إن المربين أنفسهم يواجهون كلفة إنتاج مرتفعة لم تعد تسمح لهم بطرح الفروج بأسعار الفترة السابقة.

وبحسب أبو دجوار، تشكل الأعلاف العبء الأكبر على المداجن، إذ ترتبط أسعارها بسعر الدولار وتُشترى بمبالغ مرتفعة، من دون أن تسجل انخفاضاً يوازي حاجة المربين إلى خفض الكلفة.

ولا تقتصر النفقات على العلف؛ فالمربي يحتاج إلى شراء الصيصان والأدوية واللقاحات، وتأمين التدفئة أو التبريد والتهوية، إضافة إلى تكاليف العمال والنقل والتوزيع.

وكانت تقارير من القامشلي قد أشارت، منذ بداية عام 2026، إلى أن طن العلف يصل إلى نحو 600 دولار، فيما قد ترتفع بعض تكاليف دورة التربية إلى مستويات أكبر عند احتساب الصيصان والمحروقات وبقية المستلزمات.

وعلى المستوى السوري، تقدر مصادر في القطاع أن الأعلاف تشكل ما بين 70% و80% من إجمالي كلفة إنتاج الفروج، ما يجعل أي ارتفاع في الذرة أو الصويا أو سعر الصرف ينتقل سريعاً إلى سعر الكيلو في الأسواق.

حرارة الصيف ترفع فاتورة المولدات

تزداد أعباء أصحاب المداجن في القامشلي خلال موجات الحر، إذ تحتاج الحظائر إلى تشغيل أجهزة التهوية والتبريد بصورة متواصلة، لتجنب اختناق الدجاج أو نفوقه.

ويقول أبو دجوار إن المربين مضطرون إلى تشغيل المولدات لساعات طويلة بسبب ضعف الكهرباء، ما يرفع استهلاك المازوت ويضيف نفقات جديدة إلى كل دورة إنتاج.

ويتسبب أي توقف مفاجئ في التهوية، ولا سيما داخل المداجن المكتظة، بخسائر قد تشمل أعداداً كبيرة من الطيور خلال فترة قصيرة، لذلك يحمّل المربي كلفة الوقود والصيانة ومخاطر النفوق للسعر النهائي.

وتضاف إلى ذلك أجور نقل الدجاج الحي من المدجنة إلى المسالخ والأسواق، ثم تكاليف التبريد والتوزيع. وكلما ابتعد مصدر الإنتاج عن القامشلي، ارتفعت الكلفة بسبب الوقود والأجور والخسائر المحتملة أثناء النقل.

إنتاج موجود… لكنه يتقلص

يرى أبو دجوار أن الإنتاج المحلي لم يتوقف بالكامل، لكنه تراجع بسبب عزوف بعض المربين عن إدخال أفواج جديدة، أو خفضهم عدد الطيور داخل المداجن لتقليل المخاطر.

ويقول إن عدداً من أصحاب المداجن تعرضوا لخسائر في دورات سابقة عندما انخفض سعر البيع إلى ما دون كلفة الإنتاج، ما دفع بعضهم إلى التوقف، فيما فضّل آخرون العمل بطاقة محدودة.

ويتوافق ذلك مع تقارير محلية رصدت، منذ شباط/فبراير، تراجع إنتاج المداجن في مدن الجزيرة، وارتفاع سعر كيلو الفروج في عامودا والدرباسية وديريك إلى نحو 300 ليرة بالقيمة الجديدة، قبل أن تتسع موجة الغلاء لاحقاً.

وتخلق هذه الدورة مفارقة متكررة: عندما ينخفض السعر ويتكبد المربون خسائر، يخرج قسم منهم من السوق؛ وبعد أسابيع ينخفض العرض، فيقفز السعر ويتحمل المستهلك النتيجة.

أزمة تتجاوز التسعيرة

لا يبدو ارتفاع الفروج في القامشلي مجرد مخالفة تسعيرية يمكن حلها بإصدار نشرة أسعار، فالقطاع يواجه سلسلة مترابطة تبدأ بالعلف والصيصان والدواء، وتمر بالكهرباء والمازوت والنقل، وتنتهي عند مستهلك فقد جزءاً كبيراً من قدرته الشرائية.

وفي الوقت الذي تصل فيه كلفة الطن المنقول إلى الحسكة إلى نحو 2300 دولار، يضطر التجار إلى رفع السعر أو خفض الكميات، بينما يقلل المستهلك مشترياته، فيدخل السوق في حلقة من تراجع العرض والطلب معاً.

وبين المربي الذي يقول إنه لا يستطيع الإنتاج بخسارة، والمستهلك الذي لا يستطيع دفع ألف ليرة جديدة مقابل دجاجة واحدة، يغادر الفروج تدريجياً وظيفته القديمة بوصفه “لحم الفقراء”.

بالنسبة إلى حسين أبو علي، لا تحتاج الأزمة إلى كثير من الأرقام لفهمها. قبل أسابيع، كانت بعض العائلات قادرة على شراء فروج لإعداد وجبة تحتوي على البروتين. أما اليوم، فقد باتت الدجاجة الواحدة تساوي دخلاً قد يحتاج عامل يومي إلى يوم كامل أو أكثر لتحصيله.

وفي القامشلي، لم يعد السؤال المطروح على كثير من الأسر: كم ارتفع سعر الفروج؟ بل متى ستستطيع شراءه مرة أخرى؟

الأسعار الواردة في التقرير بالعملة السورية الجديدة