صناعة القصب في الساحل السوري.. حرفيون يتمسكون بمهنة الأجداد وسط غياب الدعم

حجم الخط

بأدوات بسيطة وجهود عائلية، يواصل حرفيو في الساحل السوري صناعة الحصر والسلال من نبات القصب، محافظين على مهنة توارثوها عبر الأجيال، رغم صعوبات الإنتاج وغياب القروض والمساعدات المالية، في وقت تؤكد فيه مديرية زراعة طرطوس استمرار نمو النبات طبيعياً دون تراجع ملحوظ، لكنها تقر بعدم وجود برامج خاصة لدعم العاملين في هذه الحرفة.

وفي بلدة المنطار بريف طرطوس، يتمسك الحرفي أبو خضر، البالغ من العمر 53 عاماً، بصناعة القصب التي تشكل بالنسبة إليه مصدر رزق وجزءاً من التراث المحلي، مؤكداً أن منتجاتها لا تزال تحظى بطلب في الأسواق، وأن بعضها يصل إلى لبنان.

ويقول أبو خضر لـ”سوريا بلس” إن صناعة القصب ليست مجرد مهنة تقليدية، بل جزء من هوية الساحل السوري، مشيراً إلى أن الحصر والسلال المصنوعة منه تتميز بالمتانة والقدرة على تحمل الرطوبة والظروف المناخية مقارنة ببعض البدائل البلاستيكية والمعدنية.

لكن استمرار هذه الحرفة يواجه، بحسب أبو خضر، تحديات تتعلق بضعف الإمكانات وغياب التمويل، إذ يعتمد الحرفيون على أدوات يدوية بسيطة وجهود فردية، دون قروض تساعدهم على تطوير ورشهم أو زيادة إنتاجهم.

ويضيف أن الحفاظ على المهنة يتطلب برامج دعم للحرفيين، إلى جانب الاهتمام بالموارد النباتية التي توفر المواد الأولية للصناعة، بما يضمن استمرارها وانتقالها إلى الأجيال المقبلة.

عائلات تتوارث المهنة وتعيش من إنتاجها
في البلدة نفسها، تعمل زهرة، المعروفة بأم علاء والبالغة من العمر 56 عاماً، مع أبنائها في صناعة حصر القصب، ضمن نشاط عائلي يشكل أحد مصادر دخل الأسرة.

وتقول أم علاء لـ “سوريا بلس” إن أفراد العائلة يتقاسمون مراحل العمل، من تأمين القصب وتجهيزه إلى نسجه وتحويله إلى حصر، مشيرة إلى أن المهنة تتطلب جهداً بدنياً كبيراً وصبراً في التعامل مع المواد الطبيعية.

وتضيف أن تمسك العائلة بهذه الصناعة لا يرتبط بالدخل وحده، بل بالرغبة في الحفاظ على حرفة ورثتها عن الأجيال السابقة، معربة عن أملها في الحصول على دعم يساعد على تخفيف أعباء الإنتاج وتأمين مستلزماته.

أما ابنها علاء، فيتولى المرحلة الأولى من العمل، إذ يتوجه إلى أطراف السواقي والمناطق التي ينمو فيها القصب لجمعه وربطه في حزم، قبل نقله باستخدام دراجته النارية إلى ورشة العائلة.

وتعكس هذه المراحل اعتماد صناعة القصب على العمل اليدوي والموارد الطبيعية المحلية، بدءاً من جمع النبات وصولاً إلى تصنيع المنتجات وتسويقها.

 الزراعة: القصب يتجدد طبيعياً ولا يتأثر بالقص
في المقابل، يؤكد مدير زراعة طرطوس، الدكتور محمد أحمد، أن نبات القصب ينمو بصورة طبيعية ومستمرة في المناطق الساحلية، ولا يسجل تراجعاً ملحوظاً في انتشاره، نظراً إلى قدرته على تحمل الظروف المناخية المختلفة.

وأوضح أحمد لـ “سوريا بلس” أن عمليات قص القصب لا تؤدي إلى القضاء عليه، إذ يمتلك جذوراً قوية تساعده على التجدد والنمو مجدداً، ما يجعله مورداً نباتياً متجدداً يمكن الاعتماد عليه في الصناعات التقليدية.

وأشار إلى أن نبات الخيزران، الذي يُستخدم أيضاً في بعض الصناعات اليدوية، يوجد بكميات محدودة في المحافظة، ويقتصر انتشاره على بعض الزراعات الخاصة، بخلاف القصب المنتشر طبيعياً قرب الأنهار والمجاري المائية.

غياب القروض وخطط الحماية
رغم استمرار توفر القصب، أقر مدير زراعة طرطوس بعدم وجود برامج أو خطط خاصة لدى المديرية لحماية النبات في مناطق انتشاره الطبيعي أو تطوير الاستفادة الاقتصادية منه.

وقال أحمد إن المديرية لا تقدم قروضاً أو مساعدات مالية مباشرة للعاملين في صناعة الحصر والسلال، موضحاً أن الدعم المتاح يقتصر على تسهيل مشاركة الحرفيين في المعارض بهدف عرض منتجاتهم والترويج لها.

وأضاف أنه لا توجد حتى الآن دراسات رسمية مخصصة لدعم المزارعين والحرفيين العاملين في هذا المجال، رغم ارتباط الصناعة بمورد طبيعي متاح محلياً وإمكانات تسويقية تتجاوز السوق الداخلية.

من أسواق طرطوس إلى لبنان
لا تقتصر منتجات القصب على الاستخدام المحلي، إذ يؤكد الحرفي أبو خضر أن بعض السلال المصنوعة يدوياً تصل إلى الأسواق اللبنانية، إلى جانب عرض المنتجات في المعارض المحلية.

ويرى أن وصول هذه المنتجات إلى خارج سوريا يعكس إمكانية توسيع نشاط الحرفة، شرط توفير الدعم اللازم لتحسين الإنتاج والتسويق ومساعدة العاملين فيها على تطوير ورشهم.

 

ويضيف أن المشاركة في المعارض تتيح التعريف بالمنتجات، لكنها لا تعوض الحاجة إلى قروض وبرامج تدريب ودراسات اقتصادية تساعد على تحويل الحرفة من نشاط محدود قائم على الجهود الفردية إلى مصدر دخل أكثر استقراراً.

وبين وفرة القصب في البيئة الساحلية واستمرار الطلب على منتجاته، تبقى صناعة الحصر والسلال أمام تحدي الحفاظ على الحرفيين أنفسهم، عبر توفير وسائل الإنتاج والتمويل وفتح أسواق جديدة.