الرقة: قسد تترك نظامًا صحيًا منهكًا والمرضى يدفعون الثمن

حجم الخط

بعد أن عانى القطاع الطبي في مدينة الرقة لسنوات من سوء الإدارة والابتزاز وحرمان المواطنين من حقوقهم الصحية خلال فترة سيطرة “قسد”، لا تزال آثار تلك المرحلة الثقيلة حاضرة بقوة في حياة الأهالي.

واقع صحي هش، مشافٍ تفتقر إلى الإمكانات، ومرضى يواجهون الألم بوسائل محدودة، في مدينة أنهكتها الحرب والإهمال.
في المشفى الوطني بالرقة، لا يطالب المراجعون بخدمات استثنائية، بل بأبسط حقوقهم: طبيب اختصاص، تشخيص دقيق، دواء متوفر، ومعاملة إنسانية تحفظ الكرامة.

غير أن شهادات المواطنين تكشف فجوة كبيرة بين الحاجة والواقع، وتعكس حجم التدهور الذي أصاب المنظومة الصحية.
يقول أحمد علاء المصطفى، أحد مراجعي المشفى لموقع سوريا 24 إن الوضع الصحي “متعب جدًا وما زال غير جيد”، موضحًا أن الكادر التمريضي والفني موجود إلى حدّ ما، لكن المشكلة الأساسية تكمن في غياب أطباء الاختصاص.

ويضيف: “لا يوجد اختصاص صدرية، ولا يوجد تصوير طبي، ومن يُجبر على المبيت في مشفى خاص يدفع نحو 50 دولارًا لليلة، وهو مبلغ يفوق قدرة معظم الناس”.

ويطالب المصطفى وزارة الصحة بدعم المشفى بالكادر الطبي وإعادة تجهيزه، حتى لا يبقى العلاج حكرًا على من يملك المال.
بدوره، يستعيد أحمد الخلف، من أبناء الرقة، معاناة سابقة لم تنقطع آثارها حتى اليوم، مشيرًا إلى أن الواقع الصحي عانى من ضعف التقنيات واحتكار الأدوية وسوء المعاملة، إلى جانب الغياب شبه الكامل للكوادر الطبية.

ويؤكد لموقع سوريا 24 وجود نقص مستمر في خدمات غسيل الكلى، وحاجة ملحّة لأجهزة طبية متكاملة، معربًا عن أمله بأن تضع الحكومة الجديدة القطاع الصحي في مقدمة أولوياتها.

أما أم أمير، فتتحدث بمرارة عن التمييز الذي كان سائدًا، قائلة لموقع سوريا 24 إن الاهتمام كان يقتصر على مقاتلي “قسد” وقياداتهم وعائلاتهم، في حين يُترك المواطن العادي دون رعاية.

تضيف: “من يملك واسطة يتلقى العلاج، ومن لا يملكها يعاني الإهمال”، مشيرة إلى شحّ الأدوية وغياب الاهتمام بالمرافقين، وكأن المريض يأتي وحيدًا بلا سند.

وتصف أم محمود تجربتها مع المشفى بأنها “محطة خيبة”، إذ تقول لموقع سوريا 24 “نأتي إلى المشفى ولا تُقدَّم لنا الخدمة، فنضطر للذهاب إلى المشافي الخاصة. الوضع صعب، وكل ما نطلبه معاملة أفضل قبل أي شيء”.

ومن داخل المشفى، تقدّم أم عبود، وهي موظفة فيه، شهادة قاسية عن الواقع الداخلي، مؤكدة أن الوضع “سيئ جدًا”، حيث يتعرض المرضى للإهانة، وتبقى الرعاية الطبية محدودة، فيما لا تُصرف الأدوية بشكل كافٍ.

وتشير خلال حديثها لموقع سوريا 24 إلى أن بعض المساعدات المقدّمة من المنظمات لا تصل إلى مستحقيها، وأن معظم الحالات الإسعافية تُحوّل إلى المشافي الخاصة، بينما يُعالج بعض المرضى في المشفى العسكري، ويُترك الآخرون دون خيارات.

وتضيف أن المشفى يعاني نقصًا حادًا في المستلزمات الأساسية، من الأدوية والأوكسجين، إلى الشراشف ومواد التعقيم، وحتى غرف العمليات تفتقر إلى أبسط التجهيزات.

وعن مستقبل المشفى، يقول الصيدلاني صيدلي حمدو شيخ عمر لموقع سوريا 24 إن العمل يجري حاليًا ضمن الإمكانات المتاحة، مع الإشارة إلى وجود خطط لنقل مديرية صحة الرقة من حماة، وإعادة تنظيم الأقسام وفرزها خلال المرحلة المقبلة، بما يُفترض أن يسهم في تحسين الأداء الصحي تدريجيًا.

أمل يعود مع عودة الدولة
ورغم قسوة الواقع الصحي وتعقيدات المرحلة، يرى كثير من أهالي الرقة في دخول الجيش السوري وسيطرته على المدينة نقطة تحوّل تحمل معها بارقة أمل.

فعودة مؤسسات الدولة الخدمية، ولو بشكل تدريجي، أعادت إلى السكان شعورًا غائبًا منذ سنوات، بأن هناك جهة مسؤولة يمكن مخاطبتها، ومحاسبتها، وانتظار دورها في إصلاح ما تهدّم.

ويأمل المواطنون أن تُترجم هذه العودة إلى خطوات عملية وسريعة، تبدأ بإعادة تأهيل المشافي، ودعمها بالكادر الطبي والتجهيزات، وتحسين مستوى الخدمات، بما يعيد للقطاع الصحي دوره الطبيعي كملاذ للمرضى لا عبئًا إضافيًا عليهم.

وبين الألم المتراكم والتطلع إلى الغد، يبقى أمل الأهالي معقودًا على أن تكون المرحلة المقبلة بداية فعلية لاستعادة حقهم في العلاج والكرامة، ضمن دولة حاضرة ومؤسسات فاعلة تخدم الإنسان قبل أي شيء.