دير الزور: إعمار بطيء وسط دمار واسع وتحديات متراكمة

حجم الخط

تشهد محافظة دير الزور شرق سوريا تباطؤًا ملحوظًا في حركة إعادة الإعمار، مقارنة ببقية المحافظات السورية، رغم حجم الدمار الكبير الذي طال بنيتها التحتية ومناطقها السكنية خلال سنوات الحرب.

هذا التراجع يثير تساؤلات متزايدة حول الأسباب الكامنة وراء ضعف وتيرة الإعمار، في ظل استمرار معاناة السكان من أوضاع خدمية واقتصادية متردية، وارتفاع تكاليف المعيشة إلى مستويات غير مسبوقة.

دمار واسع يقابله بطء في التعافي

تُعد دير الزور من أكثر المحافظات السورية تضررًا، حيث شهدت مدنها وبلداتها عمليات عسكرية مكثفة خلّفت دمارًا كبيرًا في الأبنية السكنية والمرافق العامة.

ورغم مرور سنوات على انتهاء المعارك الرئيسية، لا تزال أجزاء واسعة من المحافظة تعاني من الخراب، مع بقاء أحياء كاملة مدمرة، وقرى شبه خالية من سكانها.

في هذا السياق، يقول مراد عبد الواحد، من سكان المحافظة وناشط في المجال الخدمي، في حديث لمنصة سوريا 24، إن “حركة الإعمار ضعيفة جدًا مقارنة ببقية المحافظات، رغم أن دير الزور ليست أقل دمارًا من غيرها، بل ربما من الأكثر تضررًا وتهجيرًا”، مشيرًا إلى أن آلاف العائلات لا تزال تنتظر العودة إلى منازلها، وسط غياب مشاريع إعادة تأهيل حقيقية.

ارتفاع الإيجارات يعمق الأزمة

بالتوازي مع ضعف الإعمار، تشهد المحافظة ارتفاعًا حادًا في أسعار إيجارات المنازل والمحلات التجارية، حيث يصفها عبد الواحد بأنها “أرقام خيالية تُطرح يوميًا”، ما يزيد من الأعباء على السكان، خاصة في ظل تدني مستويات الدخل وغياب فرص العمل.

ويُعزى هذا الارتفاع إلى قلة المعروض من الوحدات السكنية الصالحة للسكن، نتيجة الدمار الواسع، مقابل زيادة الطلب مع عودة تدريجية لبعض السكان، ما يخلق فجوة كبيرة في السوق العقارية.

تحديات لوجستية وتمويلية

يرى عدد من سكان المحافظة أن بطء الإعمار في دير الزور يرتبط بعدة عوامل، أبرزها التحديات اللوجستية، مثل ضعف البنية التحتية، وصعوبة نقل مواد البناء، وارتفاع تكاليفها، إضافة إلى نقص التمويل، سواء من الجهات الحكومية أو المنظمات الدولية.

كما أن غياب الاستقرار الكامل في بعض المناطق، وتعدد الجهات المسيطرة سابقًا، أسهما في تعقيد المشهد الإداري والخدمي، ما انعكس سلبًا على تنفيذ المشاريع.

إلى جانب ذلك، تعاني المؤسسات المحلية من محدودية الإمكانات الفنية والبشرية، ما يعيق قدرتها على إطلاق مشاريع واسعة النطاق أو الإشراف عليها بشكل فعّال.

واقع خدمي متدهور

لا يقتصر التراجع على قطاع الإعمار، بل يمتد إلى مختلف الخدمات الأساسية، حيث تعاني المدينة من تردي أوضاع الكهرباء والمياه والتعليم والصحة.

ويصف عبد الواحد الواقع الحالي بأنه “من الأسوأ على الإطلاق”، مشيرًا إلى أن “الشوارع مثقلة بالركام، والخدمات شبه معدومة، وأهل المدينة يعيشون ظروفًا قاسية من الفقر والمرض والإهمال”.

هذا الواقع يزيد من صعوبة عودة السكان، ويؤخر عملية التعافي المجتمعي، في ظل غياب بيئة مناسبة للاستقرار.

الحاجة إلى دور محلي فاعل

في ظل هذه التحديات، تبرز دعوات متزايدة لتفعيل دور الكفاءات المحلية في عملية إعادة الإعمار، حيث يؤكد عبد الواحد أهمية “تشجيع الخبرات من مهندسين ومثقفين ليكونوا في واجهة إعادة الإعمار”، معتبرًا أن التكاتف المحلي يمكن أن يشكل نقطة انطلاق نحو تحسين الواقع، حتى في ظل محدودية الموارد.

كما يشدد على ضرورة العمل الجماعي بين الجهات الرسمية والمجتمع المحلي، لتجاوز العقبات وتسريع وتيرة العمل.

خطط لتحفيز الإعمار

رغم التحديات، أشارت مصادر خدمية مسؤولة، في حديث لمنصة سوريا 24، إلى وجود محاولات لوضع خطط تهدف إلى تحريك عجلة الإعمار، تشمل إزالة الأنقاض، وتأهيل بعض البنى التحتية الأساسية، وتشجيع الاستثمار المحلي في قطاع البناء.

كما يجري العمل على إعداد دراسات لتحديد أولويات التدخل، وتوجيه الموارد المتاحة نحو المناطق الأكثر تضررًا، إضافة إلى السعي لجذب دعم منظمات دولية للمساهمة في تمويل المشاريع.

إلا أن هذه الخطط لا تزال في مراحلها الأولية، وتحتاج إلى دعم فعلي وتنسيق أكبر بين مختلف الجهات لضمان تنفيذها على أرض الواقع.

مفارقة الثروات والحرمان

تُعد دير الزور من أغنى المحافظات السورية من حيث الموارد الطبيعية، إذ تحتضن أكبر حقول النفط والغاز في البلاد، إلا أن هذا الواقع لم ينعكس على مستوى معيشة السكان أو على وتيرة الإعمار.

هذه المفارقة تطرح تساؤلات حول آليات إدارة الموارد وتوزيعها، ومدى استفادة المجتمعات المحلية منها، في ظل استمرار معاناة الأهالي من الفقر ونقص الخدمات.

ووسط كل ذلك، تبدو عملية إعادة الإعمار في دير الزور رهينة مجموعة معقدة من العوامل، تتراوح بين نقص التمويل، والتحديات اللوجستية، وضعف الإمكانات، وغياب التنسيق الفعّال.

ويبقى تسريع وتيرة الإعمار في دير الزور ضرورة ملحة، ليس فقط لإعادة بناء الحجر، بل لإعادة الحياة إلى مدينة أنهكتها الحرب، وما تزال تنتظر فرصتها للنهوض من جديد.