تركيا تعفي السوريين من تصريح العمل في مرحلة إعادة تنظيم ملف اللجوء

حجم الخط

بعد أكثر من خمسة عشر عاماً على بدء لجوء السوريين إلى تركيا مع انطلاق الثورة السورية عام 2011، تتجه أنقرة إلى إعادة صياغة سياساتها المتعلقة بالحماية المؤقتة، في ظل التحولات التي تشهدها سوريا، وتزايد أعداد العائدين طوعاً، إلى جانب الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة داخل تركيا.

وأعلن وزير الداخلية التركي مصطفى تشيفتشي، أمس الجمعة 26 حزيران، إلغاء إلزامية الحصول على تصريح عمل للسوريين المشمولين بنظام الحماية المؤقتة، مؤكداً أن الهدف من القرار هو تعزيز العمالة المسجلة وتقليل العمل غير النظامي، مع الاستجابة في الوقت ذاته لاحتياجات سوق العمل التركي.

وقال الوزير إن عدد السوريين الخاضعين للحماية المؤقتة يبلغ حالياً مليونين و259 ألف شخص، فيما تجاوز عدد العائدين طوعاً إلى سوريا منذ عام 2016 مليوناً و434 ألف شخص. كما أشار إلى أن نحو ثلث السوريين المقيمين في تركيا وُلدوا داخل البلاد، وهو ما يعكس تحوّل ملف اللجوء من استجابة إنسانية مؤقتة إلى قضية ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية وديموغرافية طويلة الأمد.

وبدأت موجات اللجوء السوري إلى تركيا مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، حين استقبلت أنقرة آلاف النازحين عبر حدودها الجنوبية، ولا سيما في ولايات هاتاي وغازي عنتاب وشانلي أورفا. ومع تزايد أعداد الوافدين، اعتمدت تركيا في عام 2014 نظام “الحماية المؤقتة”، الذي منح السوريين حق الإقامة القانونية، والوصول إلى التعليم والخدمات الصحية، إضافة إلى إمكانية الحصول على تصاريح عمل وفق شروط محددة.

وخلال السنوات الماضية، أصبح السوريون جزءاً من سوق العمل التركي، ولا سيما في قطاعات الزراعة والإنشاءات والصناعة والخدمات. إلا أن جزءاً كبيراً منهم عمل ضمن الاقتصاد غير النظامي، ما دفع السلطات إلى اتخاذ خطوات متتالية لتنظيم سوق العمل وتشجيع تسجيل العمالة بصورة رسمية.

وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة في تركيا، حيث انعكس التضخم وغلاء الأسعار على مختلف الفئات الاجتماعية، مع زيادة واضحة في أسعار السكن والغذاء والطاقة. وقد تأثر السوريون بشكل خاص بهذه الأوضاع، نظراً لاعتماد نسبة كبيرة منهم على أعمال منخفضة الدخل أو غير مستقرة، إضافة إلى تراجع المساعدات الإنسانية خلال السنوات الأخيرة، ما زاد من صعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية لعدد من الأسر.

وفي المقابل، شهد نظام الرعاية الصحية المخصص للسوريين تطوراً تدريجياً منذ بدء تطبيق الحماية المؤقتة، إذ استفادوا لسنوات من خدمات المستشفيات الحكومية بشكل شبه مجاني، إلى جانب برامج التطعيم والرعاية الأولية. ومع التغيرات الاقتصادية والضغوط على القطاع الصحي، بدأت تركيا خلال الفترة الأخيرة إعادة تنظيم الاستفادة من الخدمات الطبية عبر ربطها بتحديث بيانات الحماية المؤقتة والعنوان السكني، مع فرض مساهمات مالية على بعض الخدمات، والإبقاء على إعفاءات للفئات الأشد احتياجاً وفق تقييمات رسمية. ويهدف هذا التعديل إلى ضبط الإنفاق الصحي وضمان استمرارية الخدمات لجميع المقيمين.

ويعكس إعفاء السوريين من شرط الحصول على تصريح العمل، إلى جانب التغييرات التي طرأت على نظام الرعاية الصحية، انتقال السياسة التركية من مرحلة الاستجابة الإنسانية الطارئة التي رافقت بدايات الثورة السورية إلى مرحلة جديدة تقوم على تنظيم الإقامة والعمالة والخدمات، بالتوازي مع تشجيع العودة الطوعية إلى سوريا مع تحسن الأوضاع فيها، وإعادة ضبط ملف الحماية المؤقتة بما يتناسب مع المتغيرات السياسية في سوريا، واحتياجات سوق العمل، والظروف الاقتصادية في تركيا.