تداعيات “البنزين المضروب” مستمرة.. ورش حلب تنتعش والسائقون يدفعون الثمن

حجم الخط

خاص – شهم أرفاد

في حي بستان الباشا بمدينة حلب، لم يعد الميكانيكي محمود جعفر يعاني ضعف العمل كما كان في السابق،  فقد ازدادت السيارات التي تدخل ورشته خلال الأسابيع الأخيرة، لكن أصحابها لا يأتون لإجراء صيانة اعتيادية، بحسب وصفه،  بل لإصلاح أعطال مفاجئة يربطها بنوعية المحروقات المتداولة في الأسواق.

ورغم تحسن حركة العمل، لا يبدو جعفر سعيداً بهذا النشاط، إذ يجد نفسه أمام زبائن مضطرين إلى دفع مئات الدولارات لإصلاح سياراتهم، في وقت يواجهون فيه ضغوطاً معيشية متزايدة.

ويقول لـ”سوريا بلس”: “لا نحنا مبسوطين ولا الناس مبسوطة، لأن الزبون عم يجي مضطر يتحمّل تكاليف الإصلاح”.

كلام جعفر يصف واقع حال التداعيات المستمرة لأزمة البنزين المخالف للمواصفات في سوريا، التي دفعت وزارة الطاقة إلى فتح تحقيق رسمي، قبل أن تعلن نتائج التحقيق وتتعهد بتعويض المتضررين، في تطورات أعقبها تغيير إدارة الشركة السورية للبترول.

أعطال متكررة وتكاليف مرتفعة

وفيما يتعلّق بحركة التصليح، يقول جعفر، المتخصص في صيانة السيارات العاملة على البنزين والمازوت، إن حركة الإصلاح ازدادت بصورة ملحوظة منذ ظهور مشكلات المحروقات، مشيراً إلى أن بعض السيارات تعرضت لأعطال متكررة.

ولم يسلم هو نفسه من الأضرار، إذ يؤكد أن دراجته النارية تعطلت بسبب ما يعتقد أنه بنزين غير مطابق للمواصفات، رغم خبرته في صيانة المحركات.

ويشير أيضاً إلى اختلاف ألوان المازوت بين دفعة وأخرى، لافتاً إلى أن أحد جيرانه اضطر إلى تغيير المضخات والبخاخات ثلاث مرات، بعدما تكررت الأعطال في سيارته.

ويقدّر جعفر عدد السيارات التي مرت على ورشته منذ بداية المشكلة بنحو 200 إلى 300 سيارة، تراوحت أعطالها بين مشكلات محدودة وأضرار أكبر في المحركات.

وبحسب تقديراته، قد تصل تكلفة إصلاح بعض الأعطال إلى 500 دولار، فيما تتجاوز كلفة إصلاح المحرك بالكامل 1500 دولار، بما يشمل قطع الغيار والزيوت والمصافي وأعمال الخراطة وأجور الفنيين.

من جانبه، يقول الميكانيكي محمود أبو حسين، المتخصص في صيانة محركات المازوت، إن بعض أنواع الوقود المتداولة تحتوي، وفق ملاحظاته، على شوائب وترسبات قد تؤثر في المحركات الحديثة.

ويوضح أن الأعطال قد تبدأ من البخاخات ومضخات الوقود، وقد تتطور في بعض الحالات إلى أضرار أكبر، مؤكداً ضرورة تشخيص المشكلة فنياً قبل تحديد سببها.

ويشير إلى أن ورشته تستقبل سيارات حديثة وفانات ومركبات نقل صغيرة، فيما يضطر بعض أصحابها إلى تأجيل الإصلاح بسبب ارتفاع تكاليفه.

خسائر تتسع وأرقام غير نهائية

ولا تقتصر الأضرار على الحالات التي وثقها الميكانيكيون في ورشهم، إذ أشارت تقارير صحفية، في وقت سابق، عن تقديرات بأنّ نحو ألفي سيارة أُصلحت أو كانت تنتظر الإصلاح في حلب، وسط تفاوت كبير في حجم الأضرار وتكاليف الصيانة.

غير أن هذه الأرقام لا تمثل إحصائية رسمية نهائية، إذ لم تعلن الجهات المختصة حصيلة شاملة لعدد المركبات المتضررة أو إجمالي الخسائر الناجمة عن الأزمة.

وتزداد صعوبة حصر الأضرار مع لجوء بعض أصحاب السيارات إلى إصلاحها على نفقتهم الخاصة، فيما يختار آخرون إبقاء مركباتهم متوقفة إلى حين تأمين تكاليف الصيانة.

تحقيق رسمي وتعويضات معلّقة واستقالة مدير الشركة

أعلنت وزارة الطاقة السورية، في 13 تشرين الأول، أن تحقيقاً فنياً كشف وصول بنزين غير مطابق للمواصفات إلى الأسواق، نتيجة خطأ تشغيلي وقع أثناء إعادة ترحيل شحنة مرفوضة عبر شبكة الأنابيب، ما أدى إلى اختلاط جزء منها بوقود مطابق للمواصفات وتسبب بأضرار في عدد من المركبات.

وتعهدت الوزارة بمحاسبة المسؤولين عن الخلل، وكلفت الشركة السورية للبترول بوضع آلية لتعويض المتضررين، غير أن التعليمات التنفيذية المتعلقة بشروط التعويض وإجراءاته لم تكن قد أُعلنت حتى 28 تشرين الأول، ما أبقى أصحاب السيارات أمام تساؤلات بشأن كيفية استرداد خسائرهم.

وأعقب الأزمة تقديم الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي استقالته، قبل صدور مرسوم رئاسي في 18 تشرين الأول بتعيين ماهر خليل الحسن خلفاً له، دون إعلان رسمي يربط الاستقالة مباشرة بنتائج التحقيق.

مصائب قوم عند قوم فوائد

في المقابل، انعكست الأعطال المتزايدة على حركة العمل في ورش إصلاح السيارات، التي كانت تعاني ركوداً قبل أزمة المحروقات.

ويقول أبو حسين إن عدد السيارات التي تصل إلى ورشته ارتفع، لكنه يوضح أن بعض الزبائن لا يستطيعون تحمل تكاليف الإصلاح، ما يدفعهم إلى ترك سياراتهم متوقفة أمام منازلهم.

أما جعفر، فيؤكد أن زيادة العمل لم تتحول بالضرورة إلى أرباح أكبر، إذ يضطر أحياناً إلى تخفيض أجوره مراعاة للظروف المعيشية لأصحاب المركبات.

وبينما تستمر أعمال الإصلاح في ورش حلب، لا يزال أصحاب السيارات ينتظرون آلية واضحة لتعويض خسائرهم، بعد تحقيق رسمي أقر بوجود خلل في وصول البنزين إلى الأسواق، وتغيير إداري طال رأس الشركة السورية للبترول.

وهكذا، أعادت أزمة البنزين الحركة إلى ورش كانت تشكو قلة العمل، لكنها فعلت ذلك على حساب مركبات تعطلت وأصحابها الذين تحملوا نفقات لم تكن في حساباتهم.