بعد غياب تجاوز خمسة عشر عامًا عن الشاشة السورية، يعود الممثل والمؤلف محمد أوسو إلى السباق الرمضاني عبر مسلسل “بنت النعمان”، حاملًا شخصية جديدة تحمل اسم “محظوظ”، في عمل يجمع بين الكوميديا والدراما الاجتماعية، ويعيد اسمه إلى الواجهة بعد تجارب متباينة في مسيرته الفنية.
العمل من إنتاج شركة فانتيرا للإنتاج الفني، وإخراج سيف شيخ نجيب، فيما كتب أوسو النص تأليفًا وسيناريو وحوارًا، في تجربة تراهن على حضوره ككاتب وبطل في آنٍ معًا.
من “كسمو” و”سلطة” إلى “محظوظ”
عرف الجمهور أوسو من خلال شخصيات شعبية علقت في الذاكرة، أبرزها “كسمو” في مسلسل بكرا أحلى، و”سلطة” في مسلسل كسر الخواطر.
وهي أدوار اعتمدت على ما يُعرف بالشخصية “السَّلِبة” في اللهجة الشامية؛ أي الشخصية التي توحي بالبساطة أو “الجدبة” دون أن تكون ساذجة فعليًا، بل تتقن التذاكي وادعاء الغفلة عند الحاجة.
تلك الأدوار لم تكن قائمة على أوسو وحده، بل جاءت ضمن توليفة جماعية متماسكة، ما أتاح له أن يكون “نكهة” لافتة في عمل متكامل، لا عبئًا مركزيًا عليه.
في “بنت النعمان”، يقدّم أوسو شخصية “محظوظ”، اسم قد يبدو عابرًا، إلا أن حضوره يراهن على استعادة البصمة ذاتها: كوميديا اللحظة، الأداء العفوي، والاشتغال على المفارقة داخل البيئة الشعبية الدمشقية.
كوميديا سوداء في حارة دمشقية
تدور أحداث العمل حول رجل الأعمال الثري “النعمان”، الذي يؤدي دوره النجم سلوم حداد، وابنته “أفروديت” التي تجسدها ريام كفارنة، في علاقة متأرجحة بين حب أبوي مفرط ورغبة في التحكم والسيطرة، ما يفتح الباب أمام سلسلة من المفارقات ذات الطابع الكوميدي الأسود.
المسلسل لا يقدّم كوميديا خفيفة فحسب، بل يحاول الغوص في البنية الاجتماعية لأحياء دمشق الشعبية، حيث تتقاطع السلطة بالمال، والعاطفة بالمصلحة، والهيبة بالصورة العامة.
إلى جانب حداد وأوسو وكفارنة، يضم العمل أسماء بارزة، بينها سامر إسماعيل، مرح جبر، فادي صبيح، شكران مرتجى، وسلافة عويشق، في توليفة تجمع جيل المخضرمين مع وجوه معاصرة.
بين العودة المنتظرة وخيبة البداية
مع عرض الحلقات الأولى، انقسمت آراء الجمهور. فبينما رأى متابعون أن أوسو عاد بأسلوبه المعروف القائم على “كوميديا اللحظة” النظيفة والبعيدة عن الابتذال، اعتبر آخرون أن البداية اتسمت بالبطء، مع كثافة موسيقية مرافقة للمشاهد، وإيقاع سردي طويل نسبيًا.
هذا التباين يعكس سقف التوقعات المرتفع تجاه عودة فنان غاب منذ تجربته في مسلسل هارون، التي لم تحقق آنذاك الصدى ذاته الذي رافق أعماله السابقة.
عمليًا، لم تكن تجربة أوسو في بناء عمل كامل قائم على حضوره وحده ناجحة بالقدر المأمول في السابق، وهو ما يضع “بنت النعمان” أمام اختبار حقيقي: هل يستطيع استعادة معادلة النجاح التي تحققت حين كان جزءًا من بنية جماعية متماسكة؟
هل البطولة المطلقة عبء على الكوميدي؟
التجربة الراهنة تعيد طرح سؤال فني مهم: هل ينجح الكوميدي عندما يتحول إلى محور العمل الأساسي، أم أن حضوره يكون أكثر تأثيرًا حين يشكّل “البهار” داخل طبق درامي متكامل؟
أوسو أثبت سابقًا قدرته على خلق شخصيات مختلفة، لكن الكوميديا بطبيعتها تتطلب تنوعًا مستمرًا في الشخصيات، وتجددًا في الأدوات، كي لا يتحول الأسلوب إلى تكرار.
والجمهور الذي أحب “كسمو” و”سلطة” ينتظر اليوم أوسو آخر، لا نسخة من ذاته.
عودة تحاول استعادة البريق
رغم الملاحظات النقدية، يبقى “بنت النعمان” محطة مهمة في مسار محمد أوسو، ليس فقط لأنه يحمل توقيعه ككاتب، بل لأنه يمثل عودة فعلية إلى الدراما السورية بعد انقطاع طويل.
الرهان اليوم ليس على اسم “محظوظ” وحده، بل على قدرة العمل على تصاعد إيقاعه، وتكثيف حبكته، وتوسيع مساحة الشخصيات الأخرى، بحيث يتحول المسلسل إلى عمل جماعي متوازن، يعيد لأوسو مكانته كنجم كوميدي قادر على صناعة الفارق لا فقط خطف الكاميرا.