خاص – نورهان الكردي
بحث الرئيس السوري أحمد الشرع ورئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، خلال لقائهما في دمشق الأربعاء 28 تشرين الأول، تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري، وأمن الحدود المشتركة، وملفات النفط والربط الإقليمي، في زيارة تطرح تساؤلات بشأن إمكانية تحويل التفاهمات إلى مشاريع عملية، ولا سيما في المناطق الشرقية من سوريا.
وبحسب وكالة “سانا”، تناولت المباحثات التحضير لعقد مؤتمر اقتصادي سوري عراقي مشترك، يجمع المستثمرين والشركات لاستكشاف فرص التعاون في قطاعات الطاقة والنقل والزراعة والتجارة، إلى جانب تعزيز التنسيق الأمني وتبادل المعلومات ومكافحة الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة.
كما شملت المباحثات الممرات المائية وممرات التجارة الدولية، بما فيها المسارات البرية الشمالية والوسطى والربط عبر منطقة التنف، إضافة إلى وصلات باتجاه تركيا والسعودية وميناء الفاو العراقي وشبكة الطرق المرتبطة به.
خط كركوك–بانياس.. مشروع ينتظر التنفيذ
برز خط كركوك–بانياس النفطي ضمن الملفات المطروحة، باعتباره مساراً يمكن أن يتيح للعراق تصدير النفط عبر الموانئ السورية على البحر المتوسط.
وكان البلدان قد وقّعا في تموز الماضي مذكرة تفاهم لإعادة تأهيل خط حديثة–بانياس، فيما تناولت تقارير إعلامية إمكانية تصدير النفط العراقي عبر بانياس بطاقة تصل إلى مليوني برميل يومياً.
لكن إعادة تشغيل الخط تتطلب استكمال متطلبات التأهيل والبنية التحتية والتمويل والتشغيل، ولم تعلن البيانات الرسمية عن موعد محدد لبدء المشروع.
وقال المستشار الاقتصادي الدكتور زياد أيوب عربش، لسوريا بلس: “تأتي زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى دمشق في أجواء إقليمية تتصف بعدم الاستقرار المتسع وترقب حذر لما قد تُنتجه التحولات الجارية في سورية والاقليم ككل من إعادة توزيع للنفوذ والأدوار. فالإقليم لم يخرج بعد من منطقة الاضطراب الأمني والاقتصادي، فيما تواصل بغداد البحث عن مساحات لتأمين مصالحها النفطية والحدودية والتجارية، وتسعى دمشق إلى استعادة موقعها كعقدة اتصال بين المشرق والبحر المتوسط. وفي هذا السياق، لا تمثل الزيارة مجرد محطة بروتوكولية، بل اختباراً لقدرة البلدين على تحويل التقارب السياسي إلى بنية تعاون قابلة للاستمرار وسط بيئة مؤسسية وأمنية ما تزال هشة”.
أمن الحدود.. أساس التعاون بين البلدين
تناولت المباحثات أمن الحدود المشتركة، كما بحث الجانبان ترتيبات زيارة وفد أمني عراقي رفيع المستوى إلى سوريا لمتابعة الملفات المشتركة وتطوير آليات التنسيق.
وقال الخبير الأمني ضياء قدور، لسوريا بلس:
“تشكل زيارة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى دمشق أول زيارة رسمية بهذا المستوى منذ سقوط نظام الأسد.
ويبرز ضبط الحدود المشتركة التي تمتد أكثر من 600 كيلومتر أولوية أساسية خاصة حول معبري البوكمال واليعربية.
ويساهم التعاون في تأمين هذه المنافذ ومنع تسلل الخلايا المسلحة وتهريب السلاح والمخدرات مما يحمي المناطق الحدودية ويقلل من نشاط تنظيم داعش في البادية والشرق السوري، وهو ما أكده الرئيس الشرع أن الحدود صارت آمنة بفضل التنسيق القائم الذي قلص التهديدات.
وأشار قدور إلى أن المباحثات يمكن أن تفضي إلى إجراءات ملموسة مثل لجان مشتركة وتبادل معلومات فوري وتنسيق دوريات ميدانية. غير أن التنفيذ يواجه تحديات تتمثل في طول الحدود ووعورة تضاريسها ووجود شبكات تهريب راسخة واختلاف القدرات المؤسسية.
لكن التفاهمات الأمنية يمكن أن تسهم في بناء آليات مستدامة تمنع استغلال الفراغات وتؤمن حركة التجارة المشروعة عبر المعابر المطورة.
بهذا الربط بين الأمن والتنمية تفتح الزيارة آفاقاً سياسية واقتصادية تعزز استقرار البلدين في مواجهة التحديات الإقليمية المشتركة”.
وجهة النظر العراقية.. “سوريا الجديدة” وفرص التعاون
يرى الباحث السياسي العراقي الدكتور عبد القادر النايل أن زيارة الزيدي إلى دمشق لها أهمية تتجاوز البروتوكول، معتبراً أنها تعكس اعترافاً رسمياً بأن سوريا الجديدة أصبحت أمراً واقعاً، وأن العراق يسعى إلى استعادة دوره العربي والإقليمي بمنع انزلاق العلاقة بين سوريا وإيران إلى مواجهة غير مباشرة عبر الحدود.
اقتصادياً، يقول النايل: إن سوريا الجديدة سوق من 24 مليون نسمة تحتاج إلى إعادة الإعمار، وإن العراق هو الأقرب جغرافياً وصناعياً لتزويدها بالمواد، فيما يبحث العراق عن منفذ بحري بديل، وتبحث سوريا عن النفط والطاقة.
وفي ملف خط كركوك–بانياس، يوضح النايل أن الخط متوقف منذ عام 2003، وتبلغ سعته الأصلية 300 ألف برميل يومياً، مشيراً إلى أن الخطوة المتوقعة ليست تشغيله فوراً، بل “تشكيل لجنة فنية مشتركة لتقييم أضرار الخط داخل الأراضي السورية والعراقية”. ويطرح ضمن النتائج المحتملة صيغة لتبادل النفط العراقي مقابل تكريره في بانياس وإعادته كمنتجات أو تصديره عبر المتوسط.
ويقدّر النايل كلفة إعادة تأهيل الخط بنحو 500 مليون دولار، ويربط تنفيذه بضمانات أمنية لحمايته من تنظيم داعش، وبالحصول على استثناءات مرتبطة بالعقوبات الأميركية، إلى جانب توفير آلية مالية مناسبة للتعامل بين البلدين.
أما تجارياً، فيتوقع النايل أن يتيح تطوير المعابر رفع مستوى التبادل التجاري وتسهيل حركة الشاحنات بين البلدين، مؤكداً أن نجاح هذه الخطوات يتوقف على ضبط الحدود، إذ يقول: “بدون ضبط الحدود، لا اقتصاد. أي خرق أمني سينسف كل الاتفاقيات”.
الممرات التجارية والمياه.. ما الذي أُعلن؟
وفق “سانا”، تناولت المباحثات الممرات المائية وممرات التجارة الدولية والربط عبر منطقة التنف، إلى جانب المسارات المتصلة بتركيا والسعودية وميناء الفاو العراقي.
لكن البيان الرسمي لم يعلن عن اتفاق محدد لتقاسم المياه أو حصص مائية، كما لم يتضمن جدولاً زمنياً لتنفيذ مشاريع مائية، أو تفاصيل تنفيذية جديدة بشأن تطوير معبري البوكمال واليعربية.
على ماذا تم الاتفاق؟
أكد الجانبان على أهمية ضبط الحدود أمنياً والتنسيق لمكافحة المخدرات وأن هذا الملف هو رقم 1، وكل الملفات الاقتصادية مرهونة به حيث أكد النايل أن الحدود السورية العراقية مفتوحة وتسيطر عليها شبكات تهريب متداخلة: داعش من جهة، ومليشيات تهريب السلاح، وشبكات الكبتاغون
وقد تم الاتفاق من قبل الطرفين على تفعيل مركز التنسيق الاستخباري في القائم يضم ضباط من البلدين. والعمل على طلعات جوية مشتركة بالمسيرات لمراقبة الشريط الحدودي.
أما بالنسبة إلى ملف الكبتاغون فاعتبر أن سوريا الجديدة تريد أن تثبت أنها قطعت مع صناعة الكبتاغون التي كان يتهم بها النظام السابق، لذلك ستتعاون بتسليم خرائط المعامل والممرات للعراق. العراق بالمقابل سيعتبر هذا دليل حسن نية. وفيما يخص ملف مخيم الهول الذي يضم 18 ألف عراقي، اتفقا على تسريع نقلهم لمركز الجدعة في نينوى.
إن هذه الزيارة ناجحة سياسياً واقتصادياً ولا سيما إذا حصل الزيدي على موافقة مبدئية لإعادة دراسة خط النفط، لأن هذا الخط لو عاد، فهو إعلان رسمي بانتهاء الهلال الإيراني وبداية هلال اقتصادي عراقي – سوري تركي على البحر المتوسط.