منذ إطلالته الأولى في مسلسل “مولانا”، فرض الفنان فارس الحلو إيقاعًا مختلفًا على العمل، مجسدًا شخصية “العقيد كفاح” بوصفها محورًا دراميًا لا يمكن تجاوزه.
لم يحتج إلى مساحة واسعة من المشاهد كي يرسخ حضوره، إذ جاء أداؤه مكثفًا، مشحونًا، ومبنيًا على فهم عميق لبنية الشخصية وسياقها النفسي والاجتماعي.
العقيد كفاح ليس مجرد ضابط في مؤسسة رسمية، بل نموذج مكثف لسلطة متغولة، تتكئ على نفوذها وتعيد إنتاج أدواتها داخل منظومة مغلقة.
بهذا المعنى، تحول الدور إلى مرآة لمرحلة كاملة من تاريخ السوريين، واستطاع الحلو أن ينقلها ببرودة أعصاب محسوبة، ونظرات حادة، ولغة جسد مدروسة بعناية.
أداء يتجاوز حدود النص
أداء فارس الحلو بدا درسًا عمليًا في كيفية توظيف الأدوات التمثيلية بوعي عالٍ. من دون صراخ أو مبالغة، ومن دون اتكاء على انفعالات فائضة، صنع شخصية تقنع المشاهد بأنها أمضت أكثر من ثلاثة عقود داخل المؤسسة العسكرية.
التحكم بالإيقاع، التلاعب بدرجات الصوت، الصمت المدروس، وحتى الوقفات القصيرة بين الجمل، كلها عناصر أسهمت في بناء صورة ضابط فاسد ضمن منظومة تفضل هذا النوع من الشخصيات.
الكاميرا بدت وكأنها تنحاز إلى حضوره؛ يطوعها حتى في لحظات السكون، ويملأ الفراغ بأقل قدر من الحركة. هذا الاقتصاد في الأداء منح الشخصية ثقلًا إضافيًا، ورسخ واقعية جعلت كثيرين يؤكدون أن الحلو “لا يمثل” بقدر ما يعيش الدور بصدق كامل.
إشادات واسعة ومقارنات لافتة
التفاعل الجماهيري مع شخصية العقيد كفاح كان سريعًا ولافتًا، سواء عبر منصات التواصل أو في النقاشات النقدية. ورغم مشاركة أسماء بارزة في العمل، من بينها “تيم حسن”، إلا أن كثيرين رأوا أن الحلو دخل المنافسة بقوة على خطف الأضواء، مستندًا إلى خبرة طويلة وكاريزما متجذرة.
هذا التأثير ليس جديدًا على مسيرته، فمن يتذكر “عبدوش الداشر” في نهاية رجل شجاع، أو “فرحان الحومصي” في عيلة خمس نجوم، أو شخصية إسماعيل في أحلام أبو الهنا، يدرك أن الحلو يمتلك قدرة خاصة على سرقة المشهد، حتى لو لم يكن صاحب الدور الأكبر مساحة.
عودة بعد غياب وخسارة للذاكرة الدرامية
تأتي هذه المشاركة بعد انقطاع دام نحو 14 إلى 15 عامًا عن الدراما السورية، في فترة ارتبطت بمواقفه السياسية المناهضة للنظام السابق.
خلال تلك السنوات، بقي اسمه حاضرًا في الذاكرة، لكن الشاشة افتقدت حضوره النوعي. واليوم، تبدو عودته بمستوى “مولانا” أشبه باستعادة أحد أعمدة الدراما السورية.
كثير من المتابعين رأوا أن الغياب كان خسارة لذاكرة المشاهد لا لتاريخه الشخصي، إذ إن الموهبة الأصيلة لا تصدأ.
وعلى العكس، بدت خبرته أكثر نضجًا، وأدواته أكثر صقلًا، وكأن الزمن أضاف إلى أدائه عمقًا بدلًا من أن ينتقص منه.
بين الفن والموقف
لا يمكن فصل شخصية فارس الحلو الفنية عن مساره الإنساني. فالمعتقلون شكلوا قضية وجع لكل بيت سوري، وكان الحلو من الأصوات الواضحة في رفض ممارسات النظام السابق، ومن بين المؤسسين لمنظمة “ناجون” التي عملت على إيصال صوت الناجين.
المفارقة الدرامية اليوم أنه يجسد دور ضابط متنفذ، في عمل يعكس كيف كانت تمارس السلطة داخل مؤسسات الدولة ضد المجتمع.
هذا التناقض بين الموقف الشخصي والدور الفني لم يضعف الأداء، بل منحه بعدًا إضافيًا، إذ بدا وكأنه يعرّي الشخصية من الداخل، كمن يعرف تفاصيلها جيدًا.
“مولانا” واستثمار ذكي للعودة
مسلسل “مولانا”، المأخوذ عن قصة للكاتبة لبنى حداد، بسيناريو ورشة كتابة، وإخراج سامر البرقاوي، ويضم نخبة من النجوم، نجح في حجز مكانة متقدمة ضمن خريطة الموسم.
غير أن عودة فارس الحلو بدور العقيد كفاح بدت استثمارًا فنيًا ذكيًا ومحسوبًا، أعطى العمل بعدًا إضافيًا ورفع سقف التوقعات.
الحلو، الذي يمكن وصفه بـ”نحات التمثيل”، صاغ شخصية العقيد المتجبر بردات فعل هادئة، وبناء نفسي دقيق، مجسدًا العقد التي وسمت شريحة من ضباط حقبة طويلة.
أداؤه أكد أن القيمة الفنية الحقيقية ترتبط بالصدق وقوة الحضور، لا بعدد المشاهد أو حجم الدور.
الدراما السورية تسترد أحد أعمدتها
في المحصلة، لم يحتج فارس الحلو إلى أكثر من مشاهد معدودة ليعلن أن عودته ليست حدثًا عابرًا. حضوره أعاد التذكير بأن الدراما السورية، رغم كل التحولات، لا تزال قادرة على استعادة طاقاتها الكبرى.
بشخصية العقيد كفاح، يثبت الحلو أن الخبرة لا تتآكل، وأن الممثل الحقيقي يبقى قادرًا على إعادة تعريف حضوره كلما سنحت له الفرصة.
ومع هذا المستوى من الأداء، تبدو عودته مكسبًا فنيًا يتجاوز حدود عمل واحد، ليكرس اسمه مجددًا في صدارة المشهد الدرامي.