تفوح رائحة الحلويات من مطبخ أم عدنان (35 عاما)، في حي برزة بدمشق، مع انشغالها هذه الأيام بتحضير معمول العيد، في طقس سنوي تحرص عليه كثير من العائلات السورية. لا يقتصر هذا التقليد على كونه وسيلة لتوفير بعض النفقات، بل يتجاوز ذلك ليشكل مساحة دافئة تستعيد فيها الأسر أجواء العيد المرتبطة بالذاكرة الجماعية والعادات الاجتماعية المتوارثة.
تقول أم عدنان إن هذه الأجواء تمنح العيد نكهته الخاصة، فاجتماع أفراد الأسرة حول طاولة واحدة، للمساعدة في إعداد العجين وتشكيل القطع، يخلق حالة من الفرح المشترك. وتضيف أن أصوات طرق قوالب المعمول، ورائحة المحلب والهال التي تعبق في أرجاء المنزل، إلى جانب تنوع الأشكال المحضرة، كلها تفاصيل بسيطة لكنها كفيلة بصناعة عيد مختلف، “أكثر بركة”، على حد وصفها.
ورغم تمسكها بهذه العادة، تشير أم عدنان إلى أن كلفة إعداد الحلويات المنزلية لم تعد منخفضة كما في السابق، بل قد تفوق أحيانا أسعار الجاهزة في الأسواق، خصوصا لمن يرغب بتحضيرها “على أصولها”. وتوضح أن الأمهات يلجأن إلى حلول بديلة تتناسب مع القدرة الشرائية، فتستبدل السمن الحيواني مرتفع الثمن، الذي يتجاوز سعر الكيلوغرام منه 250 ألف ليرة سورية، بالسمن النباتي الأرخص، مع إضافة كمية بسيطة من السمن الحيواني لتحسين النكهة.
وتفصل أن تحضير كيلوغرام من الطحين، الذي لا يتجاوز سعره 8 آلاف ليرة، يحتاج إلى نحو 50 ألف ليرة من السمن بنوعيه، إضافة إلى التمر الذي تبلغ كلفة قالبين منه نحو 15 ألف ليرة، فضلا عن التوابل والغاز والفستق الحلبي للتزيين. وبذلك تصل الكلفة الإجمالية إلى نحو 80 ألف ليرة سورية، وهي كمية تنتج ما يقارب كيلوغرامين من المعمول، مع الإشارة إلى أن الأسعار تبقى متغيرة تبعا لجودة المواد الأولية وتقلبات السوق.
في المقابل، تبدو أسواق دمشق وريفها في هذه الفترة في أوج نشاطها، حيث تتنوع أصناف الحلويات وتتصدر واجهات المحال التي تتفنن في عرض منتجاتها بأشكال جذابة لاستقطاب الزبائن. وتظهر لوائح الأسعار تفاوتا ملحوظا بين محل وآخر، إذ يبدأ سعر كيلو المعمول من 50 ألف ليرة ويصل إلى 125 ألفا، فيما يتراوح سعر البتفور بين 70 و100 ألف، والبرازق بين 90 و130 ألف ليرة. أما الحلويات المقطرة مثل البقلاوة وعش البلبل والبلورية، فتعد الأعلى سعرا، نظرا لارتفاع تكلفة مكوناتها، وعلى رأسها الفستق الحلبي والسمن.
وقبيل العيد، تشهد الأسواق ازدحاما لافتا وحركة بيع وشراء نشطة، رغم الضغوط المعيشية التي تثقل كاهل السوريين. فبين خيار الشراء الجاهز أو التصنيع المنزلي، تحاول العائلات إيجاد توازن دقيق بين الإمكانات المحدودة والرغبة في الحفاظ على طقوس العيد.
ويعكس هذا المشهد جانبا من قدرة السوريين على التكيف مع الظروف الاقتصادية الصعبة، إذ ما تزال تفاصيل صغيرة كتحضير المعمول في المنزل قادرة على إحياء شعور الفرح، ولو بحدوده الدنيا، في مناسبة ينتظرها الجميع كاستراحة مؤقتة من أعباء الحياة اليومية.




